ابن كثير

238

السيرة النبوية

أموالهم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد حكمت فيهم بحكم الله وحكم رسوله . ثم دعا سعد فقال : اللهم إن كنت أبقيت على نبيك من حرب قريش شيئا فأبقني لها ، وإن كنت قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضني إليك . قالت : فانفجر كلمه وكان قد برئ حتى لا يرى منه إلا مثل الخرص ( 1 ) ، ورجع إلى قبته التي ضرب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم . قالت عائشة : فحضره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر ، قالت : فوالذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبى بكر وأنا في حجرتي ، وكانوا كما قال الله : " رحماء بينهم ( 2 ) " . قال علقمة : فقلت : يا أمه فكيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ؟ قالت : كانت عينه لا تدمع على أحد . ولكنه كان إذا وجد فإنما هو آخذ بلحيته . وهذا الحديث إسناده جيد وله شواهد من وجوه كثيرة ، وفيه التصريح بدعاء سعد مرتين ، مرة قبل حكمه في بني قريظة ومرة بعد ذلك ، كما قلناه أولا ولله الحمد والمنة . وسنذكر كيفية وفاته ودفنه وفضله في ذلك رضي الله عنه وأرضاه بعد فراغنا من القصة . * * * قال ابن إسحاق : ثم استنزلوا ، فحبسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة في دار بنت الحارث امرأة من بني النجار . قلت : هي نسيبة ابنة الحارث بن كرز بن حبيب بن عبد شمس ، وكانت تحت مسيلمة الكذاب ، ثم خلف عليها عبد الله بن عامر ابن كريز .

--> ( 1 ) الخرص : الحلقة الصغيرة من الحلي . ( 2 ) سورة الفتح الآية 29 .